محمد بن أحمد الفاسي
21
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وكان أميرا بمكة في عصر عجلان وابنه أحمد يراعيانه كثيرا ، لتحققهما أن له عند المصريين قدرا خطيرا وكان يراعيهما فيما ليس فيه ملامة ؛ لأنهما سألاه في الخطبة بمكة لصاحب العراق شيخ أويسى لما وصلهما منه هدية سنية ، ففعل ذلك وقتا ، ثم ترك ذلك حتى الآن . وكان يقول ولاة الحكم بمكة : أمر أهل الحرم إلىّ ، فلا يعرضوا لهم بحكومة ، ويكفهم عن ذلك كثيرا . فعز أهل الحرم عند الدولة بذلك . وكان السيد أحمد بن عجلان يتردد إليه كثيرا لما يعرض له من الحوائج عنده ، فيجتمعان بأسفل الأفضلية ، وربما أمر القاضي باطلاعه إليه إلى مجلسه بوسط الأفضلية ، فيفعل ذلك السيد أحمد بن عجلان بمشقة عظيمة لثقله باللحم . وأثر ذلك في نفسه شيئا مع تأثيره من معارضة القاضي له في بعض مقاصده ، وحمله ما في نفسه من الأثر على أن مكن بعض الناس من الإساءة بالقول على القاضي بحضرتهما وحضرة ملأ من الناس ، فعرف القاضي أن ذلك أمر صنع بليل ، وأنه عليه كثير الميل . فألزم نفسه الصبر ، ليفوز بما فيه من الأجر ، وكان على الأداء صبورا ، وعند الناس مشكورا ، ولم يكن يطمع بوظيفة القضاء فيما مضى . وبلغني أنه قال للنجاب حين جاءه مبشرا بذلك : المراد غيرى - يعنى الحرازى - لأنه ظن أن الذي مع النجاب استمرار الحرازى . فما كان إلا له ، وصدق بذلك ما بشره به خطيب دمشق جمال الدين محمود بن جملة ؛ لأنه كان قال له في حياة خاله : بينا أنا بين الركنين خطر لي أنك تكون قاضيا بمكة ، فاستبعد ذلك لضعف حاله فلما مات خاله جاءه كتاب المذكور من دمشق يقول له فيه : بلغنا موت القاضي شهاب الدين الطبري ، وصلينا عليه صلاة الغائب ، وما كان لك سوف يصلك على ضعفك وإن كرهت ، أو قال : وإن عجزت . هذا معنى ما بلغني من كتابه . وأول ما سعى له في الخطابة بمكة ، وكتب له محضرا ليقف عليه من له الكلام في الولاية فيعرف أهليته لذلك ، وكتب فيه جماعة من جلة علماء الديار المصرية - إذ ذاك - وهم : الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب صاحب مختصر الكفاية ، والشيخ جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي صاحب المهمات وغيرها ، والشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقى الدين السبكي ، وهو المحرك لهذه القضية .